أبي الفرج الأصفهاني

457

الأغاني

لمّا أراد عبد اللَّه بن جعفر إهداء [ 1 ] بنته إلى الحجّاج ، كان ابن أبي عتيق عنده ، فجاءه الدّلال متعرّضا فاستأذن . فقال له ابن جعفر : لقد جئتنا يا دلال في وقت حاجتنا إليك . قال : ذلك قصدت . فقال له ابن أبي عتيق : غنّنا ؛ فقال ابن جعفر : ليس وقت ذلك ، نحن في شغل عن هذا . فقال ابن أبي عتيق : وربّ / الكعبة ليغنّينّ . فقال له ابن جعفر : هات . فغنّى ونقر بالدّفّ - والهوادج والرّواحل قد هيّئت ، وصيّرت بنت ابن جعفر فيها مع جواريها والمشيّعين لها - : يا صاح لو كنت عالما خبرا بما يلاقي المحبّ لم تلمه [ 2 ] لا ذنب لي في مقرّط [ 3 ] حسن أعجبني دلَّه ومبتسمه شيمته البخل والبعاد لنا يا حبّذا هو وحبّذا شيمه مضمّخ بالعبير عارضه طوبى لمن شمّه ومن لثمه [ 4 ] / - قال : ولابن محرز في هذا الشعر لحن أجود من لحن الدّلال - فطرب ابن جعفر وابن أبي عتيق . وقال له ابن جعفر : زدني وطرب . فأعاد اللحن ثلاثا ثم غنّى : بكر العواذل في الصّبا ح يلمنني وألو مهنّه ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنّه ومضت بنت ابن جعفر ، فاتّبعها يغنّيها بهذا الشعر - ولعبد آل الهذليّ فيه لحن وهو أحسنها - : إنّ الخليط أجدّ فاحتملا وأراد غيظك بالذي فعلا فوقفت أنظر بعض شأنهم والنّفس مما تأمل الأملا وإذا البغال تشدّ صافنة [ 5 ] وإذا الحداة قد أزمعوا الرّحلا فهناك كاد الشّوق يقتلني لو أنّ شوقا قبله قتلا / فدمعت عينا عبد اللَّه بن جعفر ، وقال للدّلال : حسبك ! فقد أوجعت قلبي ! وقال لهم : امضوا في حفظ اللَّه على خير طائر وأيمن نقيبة .

--> [ 1 ] الإهداء : الزفاف . [ 2 ] لم تلمه ، أصل ميمه الإسكان فنقلت إليه ضمة الهاء ؛ كقوله : عجبت والدهر كثير عجبه من عنزيّ سبني لم أضربه نقل ضمة الهاء إلى الباء . [ 3 ] كذا فيء ، ط . والمقرط : المتحلى بالقرط . وفي سائر الأصول : « مقرطق » . والمقرطق : لابس القرطق ، وهو قباء ذو طاق واحد . [ 4 ] لثمه ، أصل ميمه الفتح ، فنقلت إليه ضمة الهاء بعده على لغة لخم ؛ لأنهم يجيزون في الوقف نقل حركة الحرف الأخير إلى المتحرك قبله ؛ كقوله : « من يأتمر بالخير فيما قصده » . [ 5 ] تشدّ : تهيأ عليها الرحال . والصافن من الخيل ونحوه : القائم على ثلاث قوائم وقد أقام الرابعة على طرف الحافر .